أحدث المواضيع

رواية نيران الحب والقسوة الفصل الأول حتى الفصل السابع للكاتبة فاطمة حمدي حصريه وجديده

رواية نيران الحب والقسوة الفصل الأول حتى الفصل السابع للكاتبة فاطمة حمدي حصريه وجديده 



رواية نيران الحب والقسوة الفصل الأول حتى الفصل السابع للكاتبة فاطمة حمدي حصريه وجديده 


يزيد البحيري؟ دا شخص أصلاً لا يُطاق يا حبيبتي.

هكذا تحدث ياسر وهو يكاد يلتصق بها التصاق محاصرًا إياها بذراعيه في مكتبه وابتسامة ماكرة تشق ثغره، تبتلع سيرين ريقها وتجيبه بتلعثم:

عشان كدا انفصلت..

ابتعد عنها مبتسما وراح يفتح ثلاجة مكتبه الصغيرة ملطقتا منها زجاجة مياه ثم تجرع نصفها قبيل أن يقول غامزًا:

خير ما عملتي..

هندمت سيرين تنورتها السوداء القصيرة وكنزتها الصيفية البيضاء بيدين مرتعشتين وشعرها الأسمر الطويل أيضاً قبيل أن تأخذ حقيبتها وتقول بتوتر:

أنا لازم أمشي اتأخرت يا ياسر.

ابتسم مجددا وقال:

كانت زيارة جميلة زي صاحبتها!

ابتسمت بخجل وأشارت له مودعة ثم انصرفت على الفور..

بينما جلس ياسر على مقعده وهو يحدق في الفراغ ساخرًا وهو يتابع:

ملكش في الطيب نصيب يا حاج يزيد!

طرقات قوية على باب المنزل جعلتها تركض بلهفةٍ وهي تهتف منزعجة:

حاضر يا ماما حاضر، نفسي اعرف مش بتفتحي بالمفتاح ليه!

فتحت في سرعة الباب على مصراعيه فإذا بها تشهق بقوة عندما رأت الطارق، حيث لم يكن والدتها وكان محمود الذي راح يبتسم لها ابتسامة يغلفها الحب والود، بينما يهمس وهو يحاول الاقتراب منها:

وحشتيني، جدًا!

تنهدت بارتباك وهي تتلفت يمنة ويسرة فيما تقول بحنق:.

إيه اللي جابك هنا يا محمود؟ أنت بجد مش طبيعي أمي لو جات وشافتك هقولها إيه؟!

قوللها إني بحبك وعايز أتقدملك، هتقوللها إيه يعني؟

هي بتوتر بالغ:

لو سمحت أمشي بالله عليك الناس هتاكل وشنا..

محمود بضيق شديد:

ما اللي ياكله يطفحه سم يا ستي أنا مبعملش حاجة غلط يا رنا، رنا أنا بحبك!

رنا وقد تورد وجهها خجلا على إثر هذه الكلمة:.

وأنا كمان بس اللي بتعمله دا غلط يا محمود، لو سمحت أمشي دلوقتي، وأنا أوعدك هحاول أمهد لماما وبابا الموضوع بس عشان خاطري أمشي قبل ما حد يجي...

وأخيرًا منحها ابتسامة هادئة وأشار لها بإضافة قبلة هوائية قبل أن ينصرف ويترُكها في حالة هُيام..

أقفلت الباب واستندت عليه زافرة الهواء من بين شفتيها وقد رُسمت على ثغرها ابتسامة عذبة هادئة عاشقة، تكاد تتنفس عشق محمود بدلا من الهواء المحيط بها، الشاب الأسمر المكافح الذي أسرها منذ الوهلة الأولى..

اتجهت إلى المرآة فورا وتأملت حُمرة وجهها وهي تتحسسها بأناملها، كما تأملت ملامحها الهادئة وبشرتها البرونزية الرائعة ثم فكت رباط شعرها لينسدل على ظهرها بشكل جذاب..

أفاقت من شرودها ذاك على صوت الباب وهو يقفل مرة أخرى فلاحت منها التفاتة إلى الخلف فوجدت والدتها إكرام أتت لتوها من السوق تحمل عدة أكياس بلاستيكية من الخضراوات والفاكهة..

أسرعت رنا لتأخذهم منها وتدخلهم المطبخ وهي تقول مبتسمة:

رواية نيران الحب والقسوة الفصل الأول حتى الفصل السابع للكاتبة فاطمة حمدي حصريه وجديده 


حمدلله على سلامتك يا ماما..

الله يسلمك يا رنا، ولعيلي على كوباية شاي لحسن الصداع مش قادرة منه وهاتيلي شنط الخضار أنضفها وأنا قاعده..

يأتيها صوت ابنتها من داخل المطبخ:

حاضر يا ماما.

وتأهلت رنا في الداخل كي تبدأ حوارها مع والدتها بخصوص محمود..

انضم يزيد في الصباح إلى طاولة الطعام المُجهزة من أطيب المأكولات وشاركاه كلا من جنات وشقيقها إياد كما انضمت أيضاً والدته أيضًا قبل أن تقول بجدية:

صباح الخير

صباح النور.

جاءها الرد من الثلاثة على الفور، بينما يقول يزيد وهو ينظر إلى إياد:

أخبار الدروس والمدرسة إيه يا إياد؟

أجاب إياد وهو يتناول بعض اللقيمات:

تمام..

يزيد بجدية تامة:

تمام دي يعني هتطلع 2 اعدادي ولا هنعيد زي السنة اللي فاتت؟

إياد باحراج:.

مش هعيد يا بابا مش هعيد..

أما نشوف يا سيدي، ها وأنتِ يا أنسة جنات؟

ابتسمت جنات برقة وقالت:

متقلقش يا بابي أنا هبسطك..

بادلها يزيد الابتسامة أيضًا واردف:

عارف إنك شاطرة، طالعة لأبوكي مش زي ناس!

نظر له إياد بضيق وراح يستكمل طعامه بصمت، فيما قالت والدته ابتهال بصرامة:

افضل أنت دلع كدا في بنتك وابنك لأ، أنت كدا بتفرق بينهم..

تنهد يزيد ورد عليها بهدوء:.

دي مش تفرقة، بس ممكن كلامك دا يلفت نظر إياد لحاجات متخطرش على باله أصلا فلو سمحتي يا ماما لآخر مرة بقولك لو عاوزة تقولي حاجة تبقى على انفراد مش قدام الأولاد، تمام؟

صمتت متنهدة بحنق، وقالت جنات متجاهلة حديث جدتها:

بابي ممكن طلب؟

هز يزيد رأسه بصمت وهو يرتشف من قدح القهوة خاصته، فقالت جنات بحذر:

مامي كلمتني امبارح قبل ما أنام واتفقنا نروح أنا وإياد نبات عندها كام يوم..

تجهمت قسمات يزيد على الفور وقست عيناه وهو يرد ردا قاطعاً:

لأ، مافيش بيات غير هنا تحت عنيا أنا وأنتي عارفة كدا كويس أنتي وأخوكي!

أيوة يا بابي بس دي مامي يعني وحضرتك مش من حقك تمنعنا عنها!

تملكت العصبية من يزيد حين قال:

وهو أنا منعتكم عنها؟! ولا هي اللي رمتكم؟ الهانم عاوزة وقت ما يجلها مزاجها تشوفكم تشاور وانتوا تجروا ووقت ميجلهاش مزاج محدش بيسمع صوتها، لأ والف لأ وكلامي يتنفذ بالحرف الواحد سمعتوا؟

انسابت الدموع من عيني ابنته حيث لا مجال بعد هذا النقاش في الموافقة، قال كلمته الأخيرة وانتهى الأمر، فنهضت راكضة إلى الأعلى واتبعها أخيها أيضاً، فقالت والدته وقد لوت فمها بعدم رضى:

آدي آخرة الدلع يا سي يزيد...

نهض يزيد آنذاك بعنف عن المقعد ومن ثم دفعه بقدمه بقوة قبل أن ينصرف غاضبا إلى عمله، وفي الخارج حيث حديقة القصر تقابل يزيد مع شقيقه مازن الذي قال قاطبًا ما بين حاجباه:

مالك يابني في إيه؟!

لم يجب يزيد عليه واستقل سيارته منطلقا بها على أعلى سرعة ممكنة، توجه مازن إلى الداخل ليتفاجئ بوالدته تهتف معنفة إياه ككل ليلة:

يا أهلا بالبيه اللي كان بايت برة طول الليل أهلا!

مسح مازن على رأسه في صمت غاضب ولم يمنحها الفرصة في التحدث مجددا حيث أسرع في خطواته إلى الدرج ليصعد إلى غرفته مباشرة تاركة والدته تهتف بنزق:

مافيش واحد فيكم مريحني أبدااا!

دخل مازن إلى غرفته التي كان الظلام يحيطها كليا، تعجب لذلك وللغاية، عجيب أن زوجته مازالت نائمة لم تكن هذه عادتها قط، الساعة الآن الحادية عشر صباحا، ربما مريضة، وعند هذا الخاطر اندفع نحو الفراش وجلس جوارها واضعا يده على ذراعها وهامسا:

نور، حبيبي، نورهان؟ اصحي ايه النوم دا؟!

تقلبت نورهان في الفراش والتفتت له لتنظر له بنعاس مع قولها:

أنت جيت امتى؟

دلوقتي..

نهضت جالسة ونظرت له نظرة بالطبع وصلته المغزى منها، لكنه بقي ثابتا ناظرا إلى عمق عينيها المعاتبتين بشدة..

لتقول وقد تحررت من صمتها:

أنا نايمة لحد دلوقتي عشان فضلت مستنياك طول الليل على أمل إنك هتيجي بس كالعادة يا بتيجي الصبح يا بتيجي وش الفجر!

كان ارتباكه ملحوظ حين رد عليها:

أكيد مشغول يعني مش هقعد طول الليل برا وخلاص!

كسى الحزن عينيها الآن وملامح وجهها كليا مع استطرادها:.

واحد عنده معرض سيارات ايه اللي يخليه يشتغل لوش الصبح؟ يعني شغال شغل حر تقدر توقف في الوقت اللي أنت عاوزه!

غلطانة طبعا أنا بتعامل مع ناس كتير جدا وكلهم من فئة مبتنامش بليل أصلا وأنتي عارفة يا نور!

نظرت له واطالت النظر إليه:

مش مصدقاك يا مازن، حقيقي مش مصدقاك خالص أنت بتضحك عليا زي عادتك، بس صدقني يا مازن هيجي اليوم اللي مش هتلاقيني فيه و...

لم تكد تكمل حديثها حيث قبض بعنف على ذراعها وشدها إليها بعنف أشد مع قوله الشرس:

هتبتدي تزعليني يا قلب مازن وهقلب عليكي صدقيني، هتبدي تخرفي بكلام أنا مش بحبه بس عشان بحبك أنتِ بحاول افوتلك، كلمة مش هتلاقيني يا مازن، هسيبك أو طلقني يا مازن دي تتلغي تماما من قاموس حياتك مفهوم يا قلب مازن؟!

تألمت بشدة من قبضته فقالت وقد انهمرت دموعها:

سيبني!

تركها متنهدا ونهض عن الفراش بينما أشعل أحد سجائره بعصبية وهو يهتف:

آخر مرة تنطقي بكلام ميعجبنيش وبطلي نكد لأن لصبري حدود..!

التزمت الصمت وأخذت تجفف دموعها وهي تحاول النهوض من على الفراش بينما يصلها صوته وقد اقترب منها مجدداً:

بلاش تخليني اتصرف بطريقة همجية تاني معاكي ممكن؟

حاولت دفعه كي تلج إلى الحمام لكنه أمسك بها مجددا وهو يخبرها:

مافيش فايدة فيكي، بطلي عند يا نورهان ونكدددد!

ممكن تسيبني؟

هتروحي فين؟

هي بضيق:

أكيد هدخل الحمام يعني!

ابتسم ودنا منها مقبلا وجنتها باشتياق وأخبرها:

ممكن تفطريني؟ وهنا مش تحت..

ويكمل غامزا:

أنا وأنتِ بس!

تخضبت وجنتاها فورا واسرعت إلى الحمام مغلقة الباب خلفها، فعلم أن غضبها قد تبخر كالعادة...

وكعادة الزهراء دوما تجلس وحيدة في غرفتها، حيث أنها ترى في هذه الوحدة راحة نفسية لم تجدها مع أفراد البيت..

هُنا بعيدا عن امتعاض والدتها الدائم وغضب يزيد ولا مبالاة مازن..

لكنها لم تسلم أيضا من مشكلاتهم المستمرة..

يرن هاتفها الآن يعلن عن اتصال أحدهم، تنظر إلى الشاشة لتجد المُتصل سيرين

أجابت عليها على مضض ووصلها غضب الثانية في جملتها:.

ينفع اللي يزيد بيعمله دا يا زهراء؟ إزاي يزعق لجنات ويمنع ولادي عني؟ قوليلي إزاي؟!

زهراء وقد زفرت بضجر:

وأنا ذنبي إيه مسالتيش يزيد ليه يا سيرين؟

كدا برضوه يا زهراء دا كلامك معايا؟

معلش يا سيرين بس أنتي ويزيد مش حاسين بنفسية الاولاد المدمرة دي وعايزة الصراحة أنتي الغلطانة مش يزيد، انتي اللي سبتيهم وسبتي يزيد بمنتهى البساطة بتتكلمي في إيه مش فاهمة؟!

نفس كلام أخوكي للأسف كلكم فصيلة واحدة تحبوا تعيبوا في غيركم وبس!

ضحكت زهراء ساخرة قبل أن تقول:

واضح إن الكلام معاكي هيدخلنا في مشاكل أكتر، سوري يا سيرين مضطرة أقفل..

وبالفعل أغلقت الخط والقت الهاتف قائلة بضيق:

متخلفة!

وبعدها..

فُتح الباب بقوة ودخل منه إياد الذي هتف برعب تام:

عمتو عمتو الحقي جنات واقعة ومش بترد خالص عليا!..

رواية نيران الحب والقسوة الجزء الأول للكاتبة فاطمة حمدي الفصل الثاني

وعلى الرغم أنها كانت تتوقع رد والدتها هذا بشأن هذا الشاب إلا أن ردها الآن كان بمثابة طعنة قاسية دخلت إلى قلبها فمزقته..

ابتلعت ريقها وقالت بثبات:

ممكن أعرف يا ماما إيه سبب الرفض؟

أجابتها إكرام بسخط:

شحات! عرفتي سبب الرفض يا رنا؟

بينما تتابع رنا بضيق شديد:

مسمهاش شحات يا ماما إسمها لسة بيكون نفسه..

طيب يا حبيبتي لما يبقى يكونها يبقى يتفضل غير كدا ميلزمناش واحد شغال عامل في سوبر ماركت مش لاقي ياكل..

ابتلعت رنا غصة مررت حلقها الآن وهي تستطرد:

يا ماما محمود بيجتهد وأنا مرتحاله نفسيا بالله عليكي اديله فرصة..

بقولك إيه يا رنا أبوكي زمانه على وصول وأنا عاوزة احضر الغدا قبل ما يجي وتبقى مشكلة وقفلي بقى على الموضوع دا عشان لو سمع ابوكي حاجة زي كدا المشكلة هتبقى اتنين وأنا مش ناقصة..

نهضت رنا عن مجلسها قبيل أن تهتف من بين دموعها:

بس دا ظلم أنا مصدومة من ردك انتوا كل حاجة عندكوا الفلوس وبس..

أسرعت إلى غرفتها عقب إنهاء جملتها وتركت والدتها تتشدق بضيق قائلة:

هو عشان مش عاوزكي تتعبي مع واحد مش لاقي ياكل أبقى كل همي الفلوس، أعوذ بالله منك بت!

أسرع يزيد في خطواته على الدرج في طريقه إلى غُرفة ابنته جنات بعدما أخبره إياد بما حلّ بها، وما إن وصل إلى الغُرفة حتى وجد شقيقته تخرج منها فدفعته برفق إلى الخلف في صدره وهي تقول بهدوء:

إهدى يا يزيد مافيش داعي للقلق.

يزيد متسائلا وهو يلتقط أنفاسه:

مافيش داعي للقلق إزاي؟ اومال إيه اللي إياد قاله لي دا؟

ابتسمت زهراء في هدوء وقالت بحزم هادئ:

روح على أوضتك دلوقتي يا إياد من فضلك.

انصرف إياد بالفعل وقال يزيد بعصبية:

رواية نيران الحب والقسوة الفصل الأول حتى الفصل السابع للكاتبة فاطمة حمدي حصريه وجديده 


في إيه يا زهراء بتضحكي على إيه دلوقتي؟!

قالت زهراء ومازالت تحتفظ بهذه الابتسامة:

كل الحكاية يا سيدي إن عروستنا جنات بلغت بقت آنسة جالها الألم متحملتوش وعشان مخنوقة زعلانة كمان فداخت شوية بس مش أكتر.

شردت عيني يزيد قليلا وابتسامة صغيرة شقت ثغره، هل مرت الأيام بهذه السرعة وكبرت إبنته الغالية، لم يدرك مرور السنين ولم يحسب لها حساب..

يزيد!

هكذا نطقت زهراء وهي تلكزه بخفة في ذراعه، فانتبه لها مع قوله:

طب هي عاملة إيه دلوقتي؟!

كويسة الحمدلله، بس لازم تعرف تتعامل معاها إزاي خلي بالك دا أخطر سن، البنت بتكبر وحاجات كتير بتتغير فيها وبتبدأ تحس بأنوثتها لو مصاحبتهاش وعاملتها بذكاء مش هتعرف تسيطر عليها يا يزيد...

يزيد وقد قال متنهدا:

وأنا كنت قصرت في إيه يا زهراء؟

ابتسمت وقالت:.

عصبي يا يزيد، عصبي جدا مش بتقدر تتحكم في نفسك لازم تهدى عن كدا وتاخدها في حضنك هي وأخوها، وازن الأمور يا حبيبي..

أومأ يزيد برأسه وقال:

تمام..

ربتت زهراء على كتفه وقالت:

ادخلها وأنا راحة اوضتي...

لكنه أوقفها عندما قال لها بجدية:

زهراء، محل الورد اللي كان نفسك فيه بقى جاهز..

وادخل يده في جيبه ثم أخرجه مع قوله:

ودا مفتاحه، مبروك عليكي..

شهقت زهراء بفرحة عارمة كما وضعت يدها على فمها قائلة:

أنت بتتكلم جد؟ بجد؟

كشر يزيد عن جبينه ثم قال بجدية مصطنعة:

من امتى بهزر..

اندفعت محتضنة إياه بعفوية وقبّلته بتلقائية بينما تهتف:

ميرسي جدا يا يزيد ربنا يخليك ليا يا حبيبي..

أما هو فقد ربت على ظهرها قائلا بحنو:

لو طلبتي عنيا هديهالك يا زهراء أنتِ أختي.

أحسن أخ في الدنيا أنت..

منحها ابتسامة أخيرة قبيل أن يلج إلى غرفة ابنته التي كانت مستلقية على فراشها، وما إن رأت أبيها حتى نهضت جالسة بخجل تام، حيث توهجتا وجنتاها بحمرة شديدة وانتشرت قطرات العرق على جبينها، بينما يجلس يزيد جوارها ويمسح على شعرها قائلا ببسمة حانية:

سلامتك يا قلب بابا..

قالت جنات بصوت متحشرج قليلاً:

الله يسلمك يا بابا.

لسة زعلانة؟

حركت رأسها سلبًا في صمت، فتابع يزيد بنبرة جادة:.

بكرة لما تكبري شوية عن كدا هتعرفي إني اكتر واحد بيحبك في الدنيا، وإن كل تصرفاتي اللي مش عجباكي دي لمصلحتك أنتِ وأخوكي بس..

تنهدت جنات ثم أردفت:

بس مامي بتوحشني وببقى نفسي اقضي معاها يوم على الأقل أنام معاها وأسهر معاها أنا ببقى محتجالها أوي يا بابي..

مسح يزيد على وجنتها المتوردة بكف يده، ثم تابع حازماً:.

عارف وفاهم كل اللي هي بتقوليه أنا مش هقدر اكرهك فيها زي ما هي بتعمل لأنها أولا وأخيرا والدتك وبرضوه هنفذلك رغبتك رغم إني مش راضي عن دا وهخليكي تباتي عندها بس يوم واحد بس في الأسبوع..

جنات بابتسامة:

طب وباقي الأسبوع؟

ممكن زيارة بس بيات لأ والزيارة مش كل يوم طبعًا، تمام؟!

أومأت برأسها في طاعة واضافت بامتنان:

ميرسي جدا يا بابي

نهض يزيد آنذاك قائلاً:

هسيبك ترتاحي.

وانصرف تاركة إياها تتنفس الصعداء وهي تلتقط هاتفها كي تخبر والدتها بموافقة والدها...

محل ورد؟

قالت السيدة ابتهال هذه الجملة وجميع ملامحها في تشنج غاضب، بينما تكمل:

شوفيلك حاجة اعمليها بدل الكلام الفارغ دا وإزاي يزيد يوافق يعملك المشروع الفاشل دا؟

بينما كان يزيد يهبط الدرج فاستمع لها وهي تقول ذلك، فراح يقول بغضب:

المشروع الفاشل دا من وجهة نظرك يا ماما لكن من وجهة نظرها دا حلمها اللي بتحبه وطالما بقى مبتعملش حاجة غلط فأنا هنفذلها كل طلباتها تمام؟

لأ مينفعش كدا يا يزيد تعالى خُد لك قلمين واقف ليه ما هو دا اللي فاضل...

زفر يزيد الهواء على مهل من بين شفتيه واستطاع السيطرة على انفعالاته فقال برفق:

العفو يا ماما جزمتك على راسي ياستي بس رفقا باللي حواليكي شوية مش كدا..

ابتهال ساخرة:

يعني أنا أم قاسية يا يزيد...؟

لأ أنتِ أم زي الفل، بس أنا لازم أرجع الشركة حالا اشوفك بليل بقى سلام!

هكذا انصرف ببساطة وترك والدته بصحبة شقيقته زهراء التي نهضت صاعدة إلى غرفتها أيضا وهي تبتسم بعفوية فاليوم تحقق حلمها الرقيق..

مساءً..

نزل مازن السلم بصحبة زوجته نورهان بعدما قام بمهمة المصالحة على أكمل وجه وانساها ما أحزنها كعادته دوما معها..

قلبها الذي يعشقه بشدة رغم مصائبه سيظل يسامحه ويعفو عنه..

كانت تجلس والدته في الردهة تشاهد التلفاز حين جلسا قبالتها، ، بينما يقول مازن:

مساء الخير يا ماما، أخبارك إيه؟

بخير يا مازن.

ردت باختصار ثم تابعت:

شوفي العشا كدا جِهز في المطبخ ولا لسة يا نورهان..

هزت نورهان رأسها موافقة وذهبت إلى المطبخ بخطواتٍ متمهلة، فيما قالت ابتهال بحدة بعض الشيء:

إيه يا مازن، فكرت في اللي قولتهولك؟

مازن متسائلا:

اللي هو إيه؟

نهرته ابتهال بشدة:

الجواز!

مش هينفع، يا ماما بعد اذنك متفتحيش الموضوع دا تاني عشان نورهان بتضايق جدا!

استطرد ابتهال بغضب:

يعني عشان خاطر نورهان بتضايق جدا تعيش وحيد من غير ولد يسندك؟!

زفر مازن بضيق:.

نورهان معندهاش حاجة تمنع، هي مسألة وقت وهتخلف وهيبقى عندي ولاد وكل حاجة ريحي نفسك أنتِ عشان السكر ميعلاش عليكي!

كشرت ابتهال عن جبينها وقد قالت:

أنت طالع قليل الادب كدا لمين يا ولد؟!

مش عارف! هقوم أشوف الأكل عشان عندي شغل...

تركها واتجه إلى المطبخ أيضا حيث توجد زوجته دخل فوجدها تساعد الخدم هناك في إعداد الطعام، اتجه نحوها واحتضن خصرها من الخلف بينما يهمس في اذنها:

مش قولتلك متعمليش حاجة في المطبخ؟

احمر وجهها خجلا وزاغت عيناها بتوتر قبيل أن تقول بخفوت:

مازن ماينفعش كدا ابعد عني لو سمحت شكلنا بايخ جدا!

طبع قبلة على وجنتها وضمها إليه أكثر ضاحكًا مع قوله:

ملكة النكد ومالكيش في الرومانسية زي جوزك..

يا مازن لو سمحت!

مازن للخدم قاصدا اغاظتها:

كله يبص قدامه..!

لأ بجد انت مش طبيعي ومجنون

بيكي، أنا أصلا اسمي الحقيقي مجنون نورهان..

تركها بعد إنهاء جملته هذه ولم يرحمها بعد، حيث أطلق لها قبلة هوائية وانصرف على ذلك تاركا إياها مبعثرة داخليا وخارجيا...!

يدخل ياسر مأمون إلى مكتب يزيد البحيري في زيارة مفاجئة لم تسُر يزيد قط!

فقد تجهمت قسمات وجهه واظلمت عيناه وهو يصافحه مرغمًا..

يبتسم ياسر باستفزاز وهو يقول:

أنا لقيتك مبتسألش قلت أسأل أنا إيه يا راجل يخونك الصداقة اللي كانت بينا؟!

يبادله يزيد ذات الابتسامة وهو يرد عليه:

كويس إنك أنت اللي بتقول، كانت، كان ياما كان كل واحد فينا دلوقتي له طريق..

بس أنا نفسي نرجع، ونبقى اكتر من الأول...

صعب أو مستحيل، قصر وهات من الآخر يا ترى إيه سبب تشريفك ليا النهاردة؟!

تنهد ياسر وراح يضع قدما على قدم مع قوله:

صفقة، زي ما بيقولوا كدا صفقة العمر، أنا بصراحة محتاج حد تقيل زيك كدا يدخل معايا عارف إن علاقتنا بايظة شوية بس اللي انكسر يتصلح يا يزيد..

يزيد مبتسماً:

صحيح، عندك حق اللي انكسر يتصلح بس بيبقى شكله مش حلو وباين أنه معيوب! قولي دي صفقة من صفقاتك الشمال وإضافة جديدة لفلوسك الحرام ولا إيه؟!

احتدت ملامح ياسر في شراسة قاسية كما احتقن وجهه بالدماء وهو يتابع بعصبية:

الزم حدك يا يزيد أنا ساكت لك بمزاجي بس كدا كتير، و

قاطعه يزيد محتدمًا:

ماحدش قالك اسكت هات اللي عندك يا حبيبي، ولو معندكش يبقى تقوم وتوريني عرض كتافك بالبلدي كدا...

أنت بتطردني، هي حصلت، أنا ياسر مأمون يا يزيد بتطردني من مكتب..

ضحك يزيد متهكما:

لو كرامتك بتنقح عليك يا استاذ ياسر مأمون الباب مفتوح يفوت جمل أهو..

نهض ياسر آنذاك بغضب جلي بعد أن رمقه بقسوة عارمة وراح يخرج من مكتبه في عصبية تامة وكان الشياطين تتلاعب أمام عينيه..

وعندما استقل سيارته أجرى اتصالا على سيرين وكل خلاياه غاضبة..

وما إن ردت عليه حتى قال بعصبية تامة:

إحنا هنتجوز وهنعمل فرح كبير موافقة ولا لأ...؟!

 رواية نيران الحب والقسوة الجزء الأول للكاتبة فاطمة حمدي الفصل الثالث

مساءً حيث عاد يزيد إلى القصر بعد يوم طويل من عمله الشاق، وصعد إلى غرفته مباشرة فهو بحاجةٍ إلى الراحة فحسب، لم يكد يخلع عنه سترته ليُفاجئ بطرق الباب، فزفر باختناق وراح يفتح الباب بحدةٍ، وقد كانت والدته التي دخلت تتنهد بعدم رضى كعادتها! ثم تقول بجدية تامة:

مساء الخير.

ترك يزيد الباب وخلع سترته في سرعة وهو يرد عليها بإيجاز:

مساء النور يا ماما.

برضوه نفذت لبنتك اللي هي عاوزاه وسيبتها تبات عند أمها يا يزيد ينفع كدا؟

هكذا عاتبته بحديثها الذي لم يكن وقته الآن قط، فهو متعب ولا يريد سماع هذا منها، لذا تحامل على نفسه قدر استطاعته ولم يرد، ، فتُكمل حديثها:.

لازم تتجوز يا يزيد إسمع مني يا حبيبي أنت لسة صغير وألف بنت تتمناك كل الحكاية عندك 35 سنة دا أنت اللي قدك لسة متجوزوش أنا بس شيلت الهم بدري انتبه لنفسك من فضلك وبلاش تعيش على أمل إنك ترجع لسيرين دي مش هتنفع صدقني!

رواية نيران الحب والقسوة الفصل الأول حتى الفصل السابع للكاتبة فاطمة حمدي حصريه وجديده 


أسبل عينيه في ضيق وهو يجلس مستندًا بمرفقيه على ساقيه متغلبا على شعوره الآن، جلست جواره وتابعت قائلة:.

محتاج بنت ترعى الولاد وتهتم بيهم زهراء إن اهتمت بيهم النهاردة فبكرة تتجوز وتمشي وانت في شغلك وأنا كبرت مأقدرش أرعى ولاد في السن دا..!

تكلم يزيد في صرامة شديدة:

أنا حقيقي جاي على آخري يا ماما ولو دخلنا في مناقشة دلوقتي عواقبها مش هتكون كويسة أبدا فبعد إذنك نتكلم بكرة أوعدك الصبح نتكلم ونقول اللي إحنا عاوزينه!

ليه دايما مش طايق مني كلمة مع إني اكتر واحدة بتتمنالك الخير! عموما أنا اللي غلطانة..

هكذا أنهت جملتها وانصرفت في غضب شديد، لم يكد يزيد يفعل شيئًا حتى وجد الباب يطرق ثانية، وتلك المرة كانت شقيقته زهراء التي راحت تقول بمرح:

مالك يا سي يزيد مزعل ماما ليه بس؟

أنا مزعلها؟ ولا هي اللي كل ما تلاقيني تنزل عليا بالكلام بتاعها اللي مش بيخلص..

ضحكت زهراء برفق وأخبرته:

أقولك حاجة، صحيح ماما إسلوبها صعب بس فعلا هي بتحبنا وبتتمنى الخير لينا من قلبها..

يزيد بهدوء:.

عارف بس أنا مش قادر اتحمل أسلوبها ودائما بتجيلي في الأوقات الغلط..

طب روق كدا وقولي إيه اللي معصبك؟

مافيش شوية مشاكل في الشغل متشغليش بالك..

لسة بتحبها؟

فاجئته بسؤالها الصريح فحملق بها بصمت لعدة ثوان قبيل أن يتحرر عن صمته وينطق بالكاد:

مش عارف..

وكانت إجابته كفيلة بأن تؤكد شعورها، لتقول متنهدة بعمق:

يزيد أنا كنت حاسة إنك مازلت بتحبها رغم كبريائك بس سيرين متنفعكش وكانت من الأول اختيار غلط..

ابتلع ريقه بتوتر وتناول جرعة من الماء على دفعة واحدة، ثم قال باتزان:

للأسف عارف يا زهراء، بس أوقات كتيرة بقول عشان خاطر الولاد، مش هكذب عليكي أنتِ بالذات عشان هتفهميني وتحسي باللي جوايا، أنا عندي أمل نرجع يا زهراء..

زهراء وقد ضمت شفتيها معا في ضيق، ثم استطردت:.

مشاعرك مش بإيدك بس لو مفكر إنك برجوعك لها الولاد نفسيتهم هترتاح تبقى غلطان، هي مش الام اللي بتصون ولادها ولا حتى جوزها أنا آسفة جدا بس دي الحقيقة فكر في كلامي دا كتير وبعدين قرر وكمان أعمل استخارة بشأن الموضوع وربنا معاك يا يزيد..

كان صامتا شاردًا في هذا الأمر المصيري، فربتت على كتفه وقالت:

عيش حياتك زي ما هي عيشاها واللي باعك أوعى تبكي عليه، تصبح على خير..

خرجت زهراء من الغرفة وذهبت إلى غرفتها تاركة إياه بالفعل يُفكر فيما قالت، ثم التقط هاتفه وهو يزفر أنفاسه في ضيق، تصفح آخر الأخبار على حسابه بضجرٍ ليفاجئ بخبرٍ صادمٍ كان بمثابة صفعةٍ على قلبه حين قرأ على حساب ياسر مأمون

أجمل حاجة حصلت لي بحبك يا سيرين، ربنا يقدرني وأسعدك وتبعت الجملة صورة ل سيرين زوجته، السابقة!

ضغط على الهاتف بقوة وعصبية كما كز على أسنانه في شراسة وجحزت عيناه من فرط غضبه وألم فؤاده الآن!

هل تخلت تماما عن حبه بهذه السهولة؟ أم أنه لم يكن له مكان في قلبها من الأساس!

هتتجوزي يا مامي؟!

كان سؤال جنات التي انزعجت بهذا الخبر، بينما تستكمل بغضب:

وليه مش بابي؟ ليه مترجعيش لبابا وتتجوزي واحد غريب؟

احتضنت سيرين وجهها بين كفيها وأخبرتها مبتسمة:.

روح مامي، الحياة بينا بقت مستحيلة وبابي طبعه صعب جدا كنتي بتشوفي بنفسك بيعاملني إزاي ويتحكم فيا ويحرمني من أي حاجة بحبها، شوفتي حتى معاملته معاكي أنتِ وأخوكي إزاي على طول تحكمات طول الوقت وكمان جدتك طول عمرها بتكرهني وتكرهكوا عشان ولادي مع إنكم ولاد إبنها برضوه إزاي عاوزاني أرجع للعذاب دا تاني يا قلبي؟

مطت جنات شفتيها في صمت غاضب، فتتابع سيرين:.

لكن الإنسان اللي هتجوزه مش كدا خالص بيحبني بجد وهيريحني معقولة يا جنات تستكتري على مامي تعيش مرتاحة؟ أنا أهلي ماتوا وسابوني لوحدي وللسبب دا باباكي كان بيدوس عليا عشان عارف إني ماليش حد وهعيش مكسورة تحت جناحه لكن أنا قلت لأ ربنا موجود وطلبت الانفصال وأهو ربنا عوضني!

نظرت لها جنات بتأثر، حقا تأثرت من حديث والدتها الآن حتى إن عينيها ترقرقت بالعبرات، وأسرعت تعانق والدتها بحنو، فتبتسم الأم بارتياح وتخبرها:

دلوقتي هتتعرفي على ياسر هو زمانه على وصول وأنا متأكدة إنك هتحبيه أوي..

بعد مرور خمسة عشر دقيقة تقريباً كان قد وصل ياسر بكامل أناقته ووسامته وهيبته، وهنا تحديدا سيطرت علامات الانبهار على وجه جنات التي ابتسمت له بنعومة وصافحته برقة، لتتفاجئ به ينحني بقامتهِ الطويلة تلك ويُقبل كف يدها، أربكها بذلك لكنها أحبت تصرفه..

فقال مبتسماً:

عروستنا القمر جنات أسمك على مسمى..

بادلته جنات الابتسامة برقة وقالت:

ميرسي يا أنكل..

تؤ تؤ أنكل إيه؟ أنا ياسر وبس إحنا من هنا ورايح هنكون صحاب مش كدا ولا إيه؟

تورد وجهها خجلا وهي ترد عليه:

أوك..

ثم نظر ياسر إلى سيرين قائلاً:

بنتك قمر يا سيرو طلعالك طبعا!

ميرسي ياسر من ذوقك حبيبي..

طبع قبلة كذلك على يدها برقة يجيدها هو قبيل أن يتوجهوا إلى سفرة العشاء ويُشاركهم إياد الذي تعرف عليه لاحقاً واستحوذ عليه أيضًا..

وتلك الجلسة كانت لا تخلو من نظرات جنات المنبهرة له فهو تقريبا في عمر والدها لكنها أعجبت به وكأنه شاب مازال في سن المراهقة!

جلست زهراء في حديقة القصر بصُحبة نورهان التي سألتها عن حالها وأجابتها بأن كل شيء على ما يرام، واقترحت عليها أيضًا:

إيه رأيك يا نورهان تيجي معايا في محل الورد اللي يزيد عملهولي أهو نشتغل مع بعض وتسلي نفسك برضوه..

ابتسمت نورهان بتهكم وأخبرتها:

تفتكري مازن ممكن يسيبني أعمل حاجة؟ دا يا بنتي ناقص يدخل جوا دماغي يقرأ أفكاري رغم أنه مش بيحبني أتدخل في حياته أبدا..

مازن دا دماغ ربنا يهديه..

ضحكت نورهان قائلة:

للأسف بحبه، وجدا بقولك يا زهراء ممكن اطلب منك خدمة؟

طبعا اتفضلي.

أنا عاوزة أهكر موبايل مازن...

انفجرت زهراء ضاحكة:

ليه؟

قالت نورهان بجدية:

عشان أنا متأكدة إنه بيخوني، مازن مقضيها بس مش عارفة أمسك عليه حاجة نفسي أعرف بيعمل إيه!

زهراء وقد اعتدلت في جلستها قائلة:

طب قفلي على الكلام دلوقتي عشان هو بيركن عربيته هناك وجاي أهو..

نورهان مبتسمة:

هادم اللذات ومفرق الجماعات جه!

ضحكتا معا ليقترب منهما هو وهو يقلد ضحكاتهما هذه مع قوله الساخر:

عِرَس بتضحك!

زهراء قائلة بسخرية مماثلة:

والله الناس العاديين بيقولوا مساء الخير السلام عليكم كدا يعني مش اللي أنت بتعمله دا خالص يا أستاذ مازن..

طب مساء الخير يا ست زهراء..

وتحولت نظرته إلى زوجته وانحنى لها مقبلا إياها في وجنتها قائلا بغمزة:

وأحلى مسا على روح قلبي قطتي أنا، وحشتني يا عم!

ضحكت نورهان رغما عنها وقالت:

إيه اللي أخرك كدا؟

كنت مع واحدة، ارتاحتي؟

تجهمت ملامح وجهها في لمح البصر وشهقت زهراء بدهشة فيضحك بلا مبالاة قائلاً:

بهزر في إيه؟ بطلي شغل س و ج دا على المسا أنا جاي تعبان وطمعان في شوية حنان..

قالت زهراء مغتاظة:

يا سلام عليك يا عم الشاعر، متصدقهوش يا نورهان دا بيثبتك بكلمتين..

مازن مقتربا من شقيقته:

بقولك إيه يا زهرا ما تخفي من وشي اتنين متجوزين واقفين مع بعض إيه أخششك جواهم دلوقتي؟

أخششك ييييي على الفاظك أنا فعلا طالعة أنام، سلام!

سلام ياختي!

حاوط مازن كتفي زوجته بعد ذلك وسار بها إلى الأعلى وهو يتغزل بها كعادته فيجعلها تنصهر معه فلا تتذكر كيف يزعجها ولا تشعر بشيء إلاه!

قضت الليل في بكاء مرير بعدما صفعها والدها وأخبرها أن محمود لن يتزوجها أبدا وفي الحقيقة لم تؤلمها الصفعة بقدر ما ألمتها هذه الجملة التي مزقت قلبها بلا شفقة..

لماذا؟!

أليس هي من ستشارك محمود حياته بقلب راض عن ذلك؟

وقف والدها عائق ووالدتها أيضا بمنتهى القسوة زاعمين أنه حب!

وأن كل ذلك لمصلحتها العامة، إلخ..

ربما معهما حق؟

ولكن ماذا عن قلبها، هل يتحمل ألم الحب وألم الكلمات..


لن تنسى كلمات والدها الذي وصفها ب الفُجر..

ما أقصاها الكلمات حين تتسبب في نزيف روحنا!

وجدت محمود يتصل بها فلم ترد لمَ ترد؟

لقد انتهى..

رواية نيران الحب والقسوة الفصل الأول حتى الفصل السابع للكاتبة فاطمة حمدي حصريه وجديده 


انتهى وقت الكلام، المشاعر، الحب الذي بينهما، ماذا ستفعل بعلاقتها معه في السر ووالداها غاضبان؟

ستنهي الأمر حتى وقلبها يتهشم هكذا من فرط الألم..

الأمر لله..

هكذا قالت وهي تمسح عبراتها وتدخل إلى فراشها كي تنام، يا ليتها تنام!

في الصباح..

حيث تكلمت السيدة ابتهال مع شقيقتها إكرام بشأن الموضوع الذي فاتحتها فيه من قبل..

زواج يزيد من رنا في أسرع وقت ممكن كي ينسى بها تلك التي تُسمى سيرين!

تقول ابتهال بصرامة:

هفاتح يزيد في الموضوع النهاردة أنا مش هلاقي ليزيد أحسن من رنا يا إكرام..

إكرام وقد تهللت أسارير وجهها قائلة:

بنتي تحت أمرك يا أختي ربنا يكرمك دا أنا الفرحة مش سيعاني...!

4=رواية نيران الحب والقسوة الجزء الأول للكاتبة فاطمة حمدي الفصل الرابع

يا عبد العليم، عبد العليم! أنت يا راجل!

تعالى بسرعة.

نادت إكرام عليه وهي تندفع نحو الغرفة حيث كان يقف يمشط شعره ويهندم هيئته قبيل أن يذهب إلى عمله، فالتفت لها وقال بشيء من الغضب:

جرى إيه يا إكرام، مالك على الصبح!

جرى اللي مكناش نحلم بيه يا عبد العليم، مش هتصدق مين عاوز يتجوز بنتك رنا..

مين؟ قولي هي فزورا!

أردفت في سرعة:

يزيد إبن أختي..

عبد العليم وقد ابتسمت ملامحه كليًا:

إيه! بتتكلمي جد؟ عرفتي إزاي؟

إكرام مؤكدة كلامها؛

طبعا بتكلم جد، أختي لسة حالا متكلمة معايا، وقالتلي لازم رنا تتجوز يزيد وفي أسرع وقت كمان...

إيه؟ مين؟

وكانت تلك التساؤلات ل رنا التي استمعت إلى هذا الحوار وهي تمرُ الآن، فاندفعت إلى والديها بعصبية قائلة:

إيه اللي أنا سمعته دا؟ رنا مين ويزيد مين اللي يتجوزا!

والدتها بفرحة:

أنتي ويزيد إبن خالتك يا حبيبتي مش قولتلك ربنا هيكرمك!

الكلام دا مش ممكن يحصل أبدا طبعا أنا مش موافقة!

صاح والدها بعدم تصديق:

بتقولي ايه؟ مش موافقة انتي اتهطلتي يابت ولا إيه؟

أنا مش هتجوز ومش عاوزة اتجوز أنا مش لعبة في ايديكم تعملوا فيها اللي أنتوا عاوزينه طالما رفضتوا الإنسان الوحيد اللي حبيته فأنا لا يمكن هتجوز حد غيره..

صفعها والدها بعنف شديد مع هتافه:

دا أنتي هتتجوزيه ورجلك فوق رقبتك يابت وحسك عينك أسمعك تقولي كدا تاني يا قليلة الأدب!

هدئته والدتها حيث قالت:

اهدى بس يا عبد العليم، أهدى وروح انت على شغلك وأنا هعرف أقنعها إزاي..

زفر عبد العليم بحدة شديدة وراح يتجه نحو الباب لكنه قال بصرامة:

اعملي حسابك يا بت لو مسمعتيش الكلام هخنقك بايدي فاهمة؟

وخرج فلم ينتظر منها جواب، وراحت والدتها تقول بحزم:

امشي قدامي على أوضتك، اما نشوف آخرتها معاكي!

انضم يزيد إلى طاولة الطعام المُجهزة للفطور، كان مهندما ومتطيبا بعطره النفاذ ككل يوم، بل على عكس كل يوم كان بشوشا يتناول طعامه بمنتهى الهدوء، لتستغرب والدته وهي التي ظنت أنه سيحرق الاخضر واليابس بعد خبر خطوبة سيرين وكذلك زهراء التي قالت بحذر:

يزيد؟

نظر لها باهتمام دون حديث، فاستطردت زهراء:

أنت كويس؟

يزيد مجيبا بهدوئه ذاك:

آه، تمام..

متأكد؟

مالك يا زهراء في حاجة؟!

حركت زهراء رأسها سلبًا وصمتت على ذلك، فلم تستطع والدته الصمت مثلها واردفت:

شكلك زعلان عشان الخبر اللي نزل على النت يا يزيد!

يزيد متهكما:

أي خبر؟

والدته بنفاد صبر:

خطوبة طليقتك!

يزيد متهكما مرة أخرى:

تفتكري هي أو غيرها يستاهل زعلي؟مافيش الاوهام اللي في دماغك دي هي متهمنيش في أي حاجة كدا كدا انتهت علاقتنا..

هزت رأسها برضى ثم قالت تستغل الموقف:

طب حيث كدا يبقى انت لازم تتجوز وعروستك عندي..!

وعلى عكس توقعها أيضاً قال وهو ينهض عن مجلسه:

معنديش مانع ابقي بلغيني امتى وازاي نشوف العروسة، سلام!

اتجه إلى الخارج فورًا تاركا إياها تبتسم بفرحة، بينما زهراء تفتح فاها في استغراب شديد، فنهضت راكضة خلفه وهي تنادي عليه..

يتوقف يزيد ويلتفت لها فتقول متنهدة:

أنت بتتكلم جد ولا بتهزر؟!

ومن امتى بهزر؟ طبعا بتكلم جد، سيرين مش هتوقفلي حياتي، تروح ويجي غيرها ولو راحت اللي جاية برضوه هيجي غيرها عادي يعني مش قضيه أنا ميهمنيش إلا ولادي وبس!

زهراء بجدية:

مش بتتحسب كدا اللي هتتجوزها لازم تكون كويسة على الأقل تخلي بالها معاك من الولاد..

ضحك يزيد:.

وهي إيه علاقتها بالولاد يا حبيبتي؟ ولادي ماحدش هيجي جنبهم أنا بس المسؤول عنهم، إنما الجواز دا مجرد تجربة يا فشلت ويا نجحت أنا عارف إن كدا كدا الستات صنف واحد متشغليش بالك أنتِ!

بس أنت بتحبها يا يزيد لسة..

قالتها مجددا لكنها لم تصدمه كما الأمس، ولم يتأثر بهذه الكلمة مجددا، لذا قال:

تقريبا اللي قولته لك امبارح كان وهم، ولو مش وهم فأنا هدوس على قلبي اللي حب واحدة زي دي وهنفيها تماما من حياتي وفي داهية!


كادت تتكلم ثانية فاوقفها صارماً:

كفاية يا زهراء كفاية!

تفهمت زهراء ذلك وتابعت:

ماشي، ممكن توصلني للمحل بليز في طريقك؟

أومأ لها بصمت وأشار لها كي تصعد جواره ومن ثم انطلق بالسيارة...

لقد حصلت عليه أخيرًا!

بعد ليلة طويلة غلفتها الرومانسية الشديدة بينهما، أغرقها مازن في عشقه وهي انصهرت في بحره..

لكنها لم تكن غافلة..

وبذكاء منها شديد استطاعت أن ترى كلمة السر لهاتفه..

هذه هي صمتت الكثير والكثير من أجل الحب..

لكن هُنا..

عندما رأت كل شيء، كل شيء!

محادثات عديدة بينه وبين نساء عديدة!

كل هؤلاء! كل هؤلاء يا مازن!

في الحقيقة لم تكن مصدومة بقوة، فهي كانت تشعر وتشك وها كانت محقة!

ماذا تفعل معه؟ ستصفع قلبها بيدها قبل أن يصفعه الزمان..

وستقرر، وحدها من ستقرر تلك المرة وليس هو، ستجعله يبكي ولن ينام في ليلٍ أو نهار..

دوعها كانت رفيقتها الآن وهي في الحمام تستند على الباب وهي تواصل قراءة رسائله القذرة فلم يكن لها مسمى ثان...

بماذا قصرت هي ليدور على النساء بهذا العبث؟

ستذهب..

كلمة واحدة قالتها من داخلها وهي تمسح عبراتها..

يا خسارة يا مازن، يا خسارة..

هكذا قالت وهي تخرج بحذر من الغرفة وتضع الهاتف في مكانه، ثم إلى خزانة ملابسها لترتدي أول شيء طالته يدها وهي ترمقه حيث كان نائما لا يدري بشيء، رمقته نظرة واعدة قبيل رحيلها...

يستيقظ مازن بعد مرور ساعة تقريبا من نومه وهي يتمطى بكسل، ينهض بتثاقل وهو ينادي زوجته، مرارا وتكرارا ولم ترد...

فتوقع أن تكون بالأسفل كالعادة..

لهذا نهض واغتسل ثم ارتدى ملابسه وأخذ متعلقاته الشخصية ثم خرج من الغرفة باحثًا عنها، نزل الدرج بتمهل وهو مازال ينادي عليها، فجاءه الرد من والدته التي قالت بحدة:

وطي صوتك، مراتك خرجت من شوية!

خرجت؟ إزاي من غير ما تقولي؟!

ضحكت ابتهال ساخرة:.

من غير ما تقولك؟! معرفش اتصل عليها شوفها فين..

خرج مازن من القصر وهو يقوم بالفعل بالاتصال عليها لكنه وجد الهاتف مغلق، فتسرب القلق إلى فؤاده بشدة وراح يركب سيارته وهو يقول:

طيب يا نورهان بس لما أشوف وشك!

كانت لا تزال تبكي منذ أن تركتها والدتها وذهبت إلى السوق ككل يوم..

فقررت أن تنهض وتبحث عن حلٍ، ولكن ليس بمفردها سيشاركها محمود هذا الحل وسينقذها مؤكدا من أبيها وأمها..

أسرعت ترتدي عباءتها السمراء وكذلك طرحتها البسيطة وخرجت من الشقة ذاهبة إليه وليحدث ما يحدث...

توجهت إلى مقر عمله وأشارت له من بعيد، وما إن لمحها محمود حتى هرول إليها قائلا بقلق:

مالك يا رنا في إيه؟

قالت رنا من بين بكاؤها المرير:.

الحقني يا محمود، أبويا وأمي رفضوك وعاوزين يجوزوني واحد تاني، أنا جتلك عشان تتصرف أنا مش عارفة أعمل إيه؟

كسى ملامحه الحزن وهو يقول بغضب:

يجوزوكي واحد تاني؟! ورفضوني كمان؟ ليه؟

مش عارفة دا اللي حصل أرجوك قولي أتصرف ازاااي!؟

تنهد محمود قائلا:

طب أهدي، أنا مش عارف أفكر، حاسس إني مشلول!

تابعت رنا بتوسل:

حاول معاهم، هاتلهم حد يكلمهم، أعمل أي حاجة عشاني ومتسبنيش يا محمود. أنا لو اتجوزت البني ادم دا هموت..

بعد الشر عنك يا حبيبتي متقوليش كدا، أهدي بس وقوليلي مين البني ادم دا وليه مصممين أوي كدا عليه؟

أجابته:

عشان ابن خالتي ومعاه فلوس كتير..

تغضن جبين محمود وهو يكرر:

معاه فلوس كتير!، هيبعوكي يعني؟ عشان كدا رفضوني صح!

نظرت رنا إلى الأرض بحزن قبيل أن يتكلم محمود مجددا ويقول:

أنا مش عارف أعمل إيه بجد بس هحاول أتصرف المهم روحي أنتِ دلوقتي وأنا هكلمك بس ابقي ردي عليا ماشي يا حبيبتي؟

هزت راسها موافقة على كلامه وقالت:

متسبنيش!

قال مبتسماً:

حاضر يا حبيبتي أوعدك مش هسيبك...

مش هتقوليلي بقى إيه سر مجيتك دي يا نور؟؛

هكذا نطقت والدة نورهان لتوها فيما تتابع:

دا أنا أمك اللي مالكيش غيرها، قوليلي مازن زعلك في حاجة؟

أخبرتها نورهان هادئة:

اه زعلني شوية بس عادي يا حبيبتي متشغليش بالك أنتِ..

ثم استمعتا معا إلى طرق الباب الشديد الذي كاد يتحطم أثر هذه الطرقات العنيفة..

ومن وراء الباب جاء صوته شرسا للغاية:

افتحي يا نورهان!

أسرعت نورهان إلى الباب ونظرت من العين السحرية لتجده مازن في أشد حالاته غضبًا!


5=رواية نيران الحب والقسوة الجزء الأول للكاتبة فاطمة حمدي الفصل الخامس

أسرعت والدة نورهان تفتح الباب فيدخُل مازن كالعاصفة مندفعًا بهمجية متسائلا بنبرة قاسية:
هي فين؟
هي مين؟
تساءلت السيدة متصنعة عدم الفهم، فيضغط على شفتيه قائلا بنفاد صبر:
نورهان طبعا هسأل عن مين يعني؟
نورهان مش موجودة يابني، أنت بتعمل إيه بنتي فين؟
صُدم مازن وقال مكررا:
مش هنا امال راحت فين؟ أنا بتصل عليها تلفونها مقفول فقلت أكيد جت هنا.
ردت بثبات بل أجادت الإنفعال أيضًا:.

لأ أبدا مجاتش!، أنت كدا قلقتني جدا يا مازن أنت زعلتها في حاجة طيب؟
أبدا كنا كويسين جدًا مش فاهم إيه هي راحت فين بدون إذني كمان!
طب أنا هلبس وهاجي معاك ندور عليها.
لأ طبعا أنا هتصرف وهطمنك إن شاء الله سلام.
هستنى منك مكالمة يا مازن.
وكانت آخر جملة تقولها له قبيل أن تغلق الباب وتهرول إلى الغُرفة، فتخرج نورهان من تحت السرير وهي تنفض الغبار عن ملابسها، ثم قالت بارتياح:
الحمدلله إنه صدق ومشي!

فقالت والدتها بجدية:
مش هتحكيلي بقى فيه إيه يا نورهان؟
نورهان مبتسمة بهدوء:
يا حبيبتي مافيش حاجة شوية زعل، بتحصل بين أي زوجين عادي يا حبيبتي.
كانت زهراء كالزهرة بين أزهارها وحلمها الذي يتفتح أمامها هكذا، وكانت الابتسامة أيضا تملء شدقيها وهي تستنشق عبير الورود بسعادة عارمة، يُتابعها يزيد وهو يستند على باب المكان بابتسامة، فتلتفت له وتقول بامتنان:.

مش عارفة أقولك إيه بجد، ذوق المحل تحفة والديكور رائع، ربنا مايحرمنيش منك يا يزيد.
اقترب منها متمهلا، ثم قبٌل رأسها باسمًا مع قوله:
ربنا يوفقك يا زهراء، أنا لازم أمشي اتأخرت على شغلي.
ماشي يا حبيبي، سوق على مهلك.
منحها ابتسامة أخيرة قبيل أن ينصرف ويتركها تتنفسُ أملا جديدا وخطوة جديدة في حياتها الوردية التي تناسب رقتها الفطرية.
بعد مرور ساعة.

جاءها اتصال من مازن، فأجابت عليه مستغربة لاتصاله ليس من عادته أبدا..
نورهان فين يا زهراء
وكان هذا سؤاله ما إن ردت عليه، فأجابت عليه بدهشة:
معرفش هي مش في البيت؟
لأ ومتستهبليش عليا يا زهرااااااء، فين نورهان أنا عارف إنها مبتخبيش عليكي حاجة.
زهراء ببرود استفزه:
قولتلك معرفش يا مازن أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل؟ يمكن خرجت تشتري حاجة في إيه!
هو بعصبية:.

لأ معملتهاش قبل كدا، على الأقل كانت قالتلي أنا مش مطمن وعارف إنك عارفة كل حاجة.
صدقني معرفش وأنا هخبي ليه عليك، اقفل بس دلوقتي وبليل نتكلم.
أغلقت معه بالفعل وهي تقول ضاحكة:
أيوة كدا يا نورهان لاااازم تربيه.

التقط يزيد هاتفه وهاتف ابنته جنات ليطمئن على حالها وكذلك شقيقها، وبعد السلامات قال بجديته المعهودة:
مش يلا بقى يا جنات؟ هبعت لك العربية ترجعكم.
جنات قائلة في حذر تام:
معلش يا بابي بستأذنك بس أبات النهاردة كمان.
يزيد محاولا ضبط انفعالاته:
متفقناش على كدا يا جنات، أنا قلت يوم واحد بس
عشان النهاردة خطوبة مامي ولازم اكون جنبها.
يزيد بهدوء قاتل بينما يجز على أسنانه قائلا:.

من غير كلام كتير يا جنات ساعة واحدة والعربية هتكون عندك تنزلي تركبي فيها أنتِ وأخوكي لأجي أكسر البيت دا على دماغ أمك اللي خطوبتها النهاردة دي، سمعتيني؟ عاوز كلامي ميتنفذش!
ثم لم يمنحها فرصة للتحدث مرة أخرى وأغلق الهاتف، فدفعت جنات الهاتف وهي تهتف بانزعاج:
كل حاجة لأ، لأ!
جلست والدتها جوارها قائلة بتهكم سافر:.

وهي دي كانت عيشتي مع أبوكي يا جنات كانت مرار كلها تحكمات وقرف، وأهو بيعيد الشريط من أوله معاكي!
جنات باكية:
بس أنا نفسي أحضر الخطوبة يا مامي معاكي أعمل إيه!
دا كمان هنكتب الكتاب يا حبيبتي وأنا مش ممكن اكتبه من غيرك أنتِ احضريه وطنشيه ميقدرش يعمل حاجة ولو فكر يعمل حاجة أنكل ياسر هيقفله!
جنات بتساءل وقلق:
قصدك يضرب بابي؟ لأ مش ممكن أنا هروح لأن مهما كان دا بابي!
تابعت سيرين:.

مقولتش كدا يا قلبي ياسر مش همجي زيه عشان يعمل كدا بس هيوقفه عند حده بالذوق!
في معرض السيارات الخاص به كان يجلس على مكتبه وعقله سينفجر، يفكر ترى أين ذهبت زوجته؟ وكيف تجرأت أصلا على ذلك؟
سيريها كيف تفعل فقط حينما يراها..
هكذا توعد لها قبل أن يصدح هاتفه معلنًا اتصال منها، فأجاب على الفور بعنف شديد وهو ينهض عن مقعده قائلا:
أنتي فييين؟
وكان ردها حادا لم يكن يتوقعه حين قالت:
وأنت مالك؟

فتوسعت عيناه وقال بذهول:
نعم؟
اللي سمعته يا مازن بيه، أنت خلاص مالكش حكم عليا لأنك هتطلقني ورجلك فوق رقبتك.
مازن بدهشة شديدة:
لأ دا أنتِ مش مظبوطة خالص واتجننتي على الأخر أنتِ واعية للي بتقوليه؟
أيوة واعية لكل حرف عارف ليه؟
دا أنتِ أيامك معايا سواد يا نورهان بس لما أشوف وشك!

مش أسود من اللي شوفته معاك، عارف ليه بقى؟ لأنك راجل خاين وأنا قرفت منك، كنت بكدب نفسي وبتمنى شكي ميطلعش في محله بس أنت أكدتلي لما فتحت موبايلك وشوفت رسايلك القذرة مع الستات الرخيصة اللي زيك!
ساد صمت قاتل بينهما، لم يسمع مازن إلا صوت أنفاسها الثائرة ولم تسمع هي منه شيئا قط، وكأنه لُجم وتحجرت كل الكلمات على شفتيه..
قطعت نورهان ذلك الصمت مع قولها:.

سكت يعني؟، إيه مفاجأة مش كدا؟ كنت ناوي تستغفلني لحد امتى؟ يا بجاحتك يا شيخ وكمان متصل تزعق وتشخط فيا صحيح على رأي الناس اللي اختشوا ماتوا..
مازن بضيق شديد:
ماشي يا نورهان مقدر حالتك ومش هرد بس نتكلم ونتفاهم وهعملك اللي أنتِ عاوزاه قوليلي أنتِ فين؟
مايخصكش، أنا في مكان محدش يعرف في مكان أمان مفهوش ناس خاينة زيك!
نورهااااان هنتفاهم ومتعصبنبش أكتر من كدا!
نورهان ساخرة بقوة:.

لأ يا شيخ خوفت أنا كدا، ما تتعصب ولا تتفلق حتى!
مازن متابعا بحنق:
للدرجادي يا نورهان؟
وأكتر، عاوزني أعملك إيه بعد ما شوفت بعيني خيانتك! طلقني يا مازن.
تمام، هطلقك نتقابل وأطلقك..
قالت قبل أن تغلق في وجهه الهاتف:
لما يجيلي مزاجي هحدد المعاد وأبلغك..
أغلقت دون سابق إنذار تاركة إياه يشتعل غضبا، نيران تحرق قلبه، وذهول يسيطر عليه كمن سقط على رأسه دفعة ماء مثلج للتو..

فكرت سيرين كثيرا ماذا تفعل؟ ولم تجد سوى زهراء فهي الوحيدة التي ستقنع يزيد بابقاء جنات وأخيها..
والآن أنهت معها المكالمة على أمل موافقته بعدما تستعطفه زهراء بالمعنى الأدق..
فقامت زهراء بالاتصال عليه وعندما أجاب قالت:
عامل إيه؟
فقال بإيجاز:
طبعا عاوزة حاجة، إيه هي بقى عشان عندي شغل؟
تنحنحت زهراء بخوف وأردفت بحذر تام:.

بص كدا أنا اولا معاك في رأيك بس حاول تكسب جنات لصفك أنت دلوقتي في حرب وافق بس المرادي على طلبها عشان متنفرش منك وسيرين تستحوذ عليها.
يزيد برفض قاطع:
مش هيحصل يا زهراء وبلاش سيرين تسيطر عليكي أنتِ وتملى دماغك عشان تقنعيني وأغير رأيي، هما لو مجوش أنا هروح أجبهم بنفسي والله.
يزيد...
قاطعها قائلا بصرامة:.

عندي شغل يا زهراء مضطر أقفل واتصلي على جنات لو سمحتي قوللها تنفذ اللي قولته عشان معملش حاجات تزعلها سلام..
وأما عن رنا!
فكانت في حالة يرثى لها، بين النيران وعذاب روحها، نيران أهلها وعذاب حبها ل محمود!
يضغط والدها كل يوم على جرحها ويقوم بتعنيفها ومن جهة أخرى امها!
أليس من المفترض أن تكون أمها أمانها؟ إن كسر الأب جاءت هي لتُرمم؟

يؤلمها انجراف أمها وراء ما يفعله والدها، دمراها الاثنان كسرا قلبها وروحها لكن هناك أمل، محمود
الذي أخبرها بأنه سيحل الأمر، مؤكدا سيجد لها مخرج حتى لو اضطرت للهرب معه...
جاءها الاتصال منه، والرد كان شافيًا لجرحها الآن حين قال:
رنا حبيبتي أنا لقيت الحل..
فقالت بفرحة:
إيه هو؟!
قال مجيبًا عليها بثبات تام:
تتجوزي إبن خالتك ولكن...

رواية نيران الحب والقسوة الجزء الأول للكاتبة فاطمة حمدي الفصل السادس

انصتت الأخيرة باهتمامٍ رغم تجهم ملامحها الآن، فتابع محمود يُخبرها بحذر تام:
جواز مؤقت يا حبيبتي عشان تريحي أهلك بس وكام شهر كدا لحد أقدر أقف على رجلي.
ردت عليه بذهولٍ عارم:
مش قادرة أصدق اللي بتقوله! إزاي بتقولي أتجوز واحد وأنا بحب واحد تاني؟
أجاب مبسط الأمر:
دا أحسن حل يا رنا صدقيني، أنا مافيش حد في الدنيا دي بيحبك قدي.
حب؟ حب إيه يا محمود وإزاي هتستحمل كدا لو أنت فعلا بتحبني؟ إزاي إزاااااي!

بكت منهارة بعد آخر كلمة حيث أنه صدمها وحطّم آمالها، يا له من وقح يزعم أنه يحبها ويرغب قربها ويقنعها بزيجة أخرى من رجل آخر!
رنا متفهمنيش غلط احنا هنبقى...
قاطعه بحدة نارية:.

هنبقى؟ هنبقى إيه؟ متكملش يا محمود متكملش يا محترم، الظاهر كدا أنا غلطت لما وثقت في واحد زيك، اسمعني كويس أنا آه حبيتك بس من اللحظة دي أنت برا حساباتي خالص لأني شكلي اتخدعت فيك وأخدت أكبر مقلب في حياتي وهو أنت، متتصلش بيا تاني يا محمود..
ثم أغلقت الهاتف على ذلك وراحت تستكمل وصلة بكاؤها الحار..
تعلن ذاتها وذاك اليوم الذي رأته فيه..

أعدت لها فنجانا من القهوة بإضافة الحليب الآن وهي تجلس على المقعد في مقر عملها الجديد.
منسجمة مع رائحة الورود، مع أحلامها الوردية الناعمة.
أو رُبما مع فتى أحلامها المجهول!
مساء الخير.

صوتا تسلل إلى شرودها وجذبها إلى هُنا رغما، ف لاحت منها التفاتة إلى الخلف وإذا بشابٍ طويل مقبول الهيئة أسمر البشرة مهندم إلى حدٍ ما يبدو عليه البساطة الشديدة، يقترب بخطوات متمهلة وهو يُحملق بها بنظرة لم تسترح لها، يقول متأملا ملامحها عن كثب:
اللهم صلي على النبي!
كان تائهًا في عينيها الجميلتين وشعرها الأسمر المصفف بعناية وبشرتها البيضاء الهادئة، ملامحها الصغيرة إلا عينيها الكحيلتين..

وردة تبيعُ الورود وكان هذا الذي يدور بداخله.
اتفضل حضرتك؟!
قالتها زهراء بحدة بعض الشيء وهي ترمقه باستغراب.
فتنحنح بحرج وهو يقول:
حضرتك فاتحة المحل دا جديد صح؟
زهراء بجدية:
صح!
ابتسم بإعجاب وقال:
المحل جميل، أنا بصراحة جاي أجيب بوكيه ورد لحبيبتي.
ابتسمت زهراء ببراءة قائلة:
تمام، شوف حضرتك اللي يعجبك وأنا معاك.
إذا ممكن تعمليه على ذوقك لأني مش بفهم في الكلام دا أوي أنا بس حبيت أفرحها.
أوك، ربنا يسعدكم.

شرعت زهراء تجمع له الورود باحساسها وذوقها هي بحب كبير وابتسامة تزين ثغرها، تابع الشاب متجولا في المكان خلفها:
متعرفناش بإسم حضرتك؟
إسمي هو إسم المحل.
الزهراء؟
أومأت له برأسها وقد قالت:
بالظبط..
رائع، اسم حضرتك رائع..
اكتفت بابتسامة فقط، فاستطرد أيضا:
أنا باسم، وبشتغل نجار.
أهلا وسهلا، قالتها بإيجاز.
ليقول:
أهلا بحضرتك حقيقي أنا سعيد جدا بوجودي في مكان زي دا وانسانة قمر زيك!

نظرت له بحدة وصمتت فعلم أنه قد تخطى الحدود! ليقول:
آسف..
هزت رأسها وصمتت، تتبع بفضول ضايقها قليلا:
حضرتك مرتبطة؟!
حضرتك يخصك في إيه؟
للمرة الثانية يتنحنح بحرج، يقول بهدوء:
آسف..
زائر ثقيل تنهدت بارتياح ما إن أخذ ما يريد وانصرف، تكلمت بعفوية مع نفسها:
حقيقي غتت أوي!
لم تستطع جنات البقاء بصُحبة والدتها أكثر وحضور حفل خطبتها الهائل...
مدللة ولكنها تخشى والدها، تعلم أنه سينفذ ما قاله إن لم تأت هي وأخيها..

لذا شجعتها والدتها أيضاً على الذهاب وإلا أفسد لها ليلتها مع ياسر..
كانت جنات تزرع بهو المنزل ذهابًا وإيابًا بضيق في انتظار والدها الذي قارب مجيئه من عمله، حيث أنها غاضبة وبشدة من تحكمه وتسلطه المبالغ فيه معها..
بعد مرور ثلاثين دقيقة تقريبًا كان قد وصل إلى القصر بالفعل..
ودخل مرهقًا ليراها على هذا الحال، كان بالطبع يعلم أنها غاضبة منه ولكن لا يهم، فلتغضب كما تشاء وليفعل هو ما يشاء أيضًا..

حمدلله على السلامة!
قالها يزيد بجمود وهو يعقد ذراعيه أمام صدره ينتظر ما ستلفظ به الآن!
وقد قالت جنات بعصبية:
حضرتك على طول تمنعني من كل حاجة عاوزها أنا بصراحة يا بابي مش عاوزة أعيش معاك وعاوزة أعيش مع مامي بس!
فقال لها متهكما:
ومامي مستعدة بقى تعيش معاكي يا حبيبتي؟
أكيد طبعا مستعدة!
رد باستهجانٍ مرة أخرى:
طب ليه سابتكم بإرادتها لما انفصلنا وأنا مكنتش همنع دا، ليه قالتلي ربي ولادك بمعرفتك أنا مش هربي؟

ردت بلا تأثر:
مامي مقالتش كدا وحتى لو قالت قبل كدا دلوقتي لأ!
ولو دلوقتي لأ، ف يا حبيبتي فات أوان الكلام دا وأنا هسمع كلامها وأربيكم بمعرفتي..
أغاظتها جملته فقالت بلا وعي:
مش عاوزة تربيتك الخنيقة دي ارحمني بقى..
وصاحبت جملتها صفعة عنيفة مع قوله:
لسة مشوفتيش التربية يا جنات.
دفعها قائلا بصياح:
اطلعي أوضتك.

انصرفت في حالة انهيارٍ وذهول تلك المرة الأولى التي يضربها والدها، كان يُدللها حتى وإن رأته هي قاسيا في بعض الأحيان ويبدو أن والدتها هي التي ستفوز في هذه المعركة...
صعد إلى غرفته محاولا أن يهدئ من روعه لكن لا محالة ما إن دخل الغرفة حتى أطاح بكل الأشياء التي قابلته على الأرض..
أنا موافقة!
قالتها رنا وگأن جسدها الآن بلا روح، تقولها وكأنها عقاب لنفسها!
وكأنها نهاية لكل شيء..
كأنها النيران، والعذاب والآلام.

فليحدث ما يحدث..
زغرودة امها كانت بمثابة طعنات إلى قلبها، تدفقت الدمعات من عينيها تحرق روحها وقلبها الهش..
ركضت والدتها تتصل على والدها لتخبره بموافقتها وهي تقول: يا سعدك يا هناك يا عبد العليم..
غافلة عن قهر ابنتها الوحيدة !

في الصباح.
تناولت نورهان طعام الفطار مع والدتها ببساطة شديدة افتقدتها طويلا هناك في القصر، حيث نظرات ابتهال الحادة والنظام الذي كاد يخنقها..
ولكن هناك شيء، مازن!
تشتاقه بشدة، يا لها غبية حقًا غبية قلبها سينهي عليها حتما ذات مرة لأنه أحب الشخص الخطأ الخائن في نظرها..
ها يا حبيبتي تحبي تتغدي إيه بقى؟
سألتها والدتها، لتجيب نورهان بابتسامة:
أي حاجة من ايدك يا ست الكل، بس بصراحة أنا نفسي في محشي كرنب!

ضحكت الأم بسعادة:
عيوني يا حبيبتي، إيه رأيك تنزلي تجيبي حاجته من السوق وتيجي اكون روقت الدنيا وعملت اتنين شاي كمان..
نورهان متحمسة لذلك:
ماشي ياحبيبتي.
نهضت لترتدي ثيابها البسيطة التي تكونت من تنورة سمراء واسعة وطويلة وكنزة بيضاء حريرية قصيرة، وأضافت لمستها الأخيرة بالحذاء الأسمر ذا الكعب العالي..

ثم صففت شعرها البني وضفرته ضفيرتها المميزة المنسدلة على كتفها، ثم لم تنس نظارتها الشمسية وهي تنزل درجات السلم بتمهل..
تخرج من باب العمارة وتشهق بصدمة عندما وجدت مازن يخرج من سيارته ويقفل بابها بعنف متجها إليها، فركضت بسرعة ماهرة لكنه كان الأمهر بالطبع حين ركض خلفها بسرعة أشد..
لحق بها وجذبها نحوه قائلا بغضب:
كنت عارف إنك مستخبية وبتضحكي عليا، بتهربي مني يا نورهان!
اوعى سيبني كدا لو سمحت..

وكأنها تقول له اقترب ولا تبتعد حينما ألصق جبينه بخاصتها قائلا بهيام:
أسيبك! دا أنتِ وحشتيني بغباء..
نظرت له بغيظ وهي تحاول إبعاده:
وحش يلهفك، احترم نفسك احنا في الشارع..!
اركبي العربية
دا بعينك
قال جازا على أسنانه:
بلاش تتحديني واركبي أنا مش هسيبك تعالي بالذوق أحسن ما تيجي بالعافية وبعدين تعالي هنا قوليلي راحة فين كدا ولابسة ومتشيكة على الصبح؟
وأنت مالك يا خاين يا بتاع الستات أنت..

همد ايدي عليكِ، أمد ايدي؟
نظرت له بحدة:
هو دا اللي أنت فالح فيه..
ضحك قائلا:
وأنا امتى ضربتك يا كذابة؟ الوش الحلو دا خسارة في الضرب أصلا!
طب أبعد بدل ما أصوت وألم عليك الناس
رد رافعا حاجبه:
هتقوللهم جوزي يتهجم عليا؟ اركبي فرهدتيني..
مش هرجع معاك على جثتي يا مازن، سامع؟
مازن ناظرا إلى الأعلى:
من ناحية سامع فأنا سامع بس من ناحية على جثتي دي مش هتحصل هتيجي معايا حية عادي..

ثم همّ بحملها وأدخلها إلى السيارة عنوة وأسرع ليقودها وبالفعل كان أقوى منها فلم تستطع منعه..
سار بالسيارة وهو يضحك على تعنيفها له المستمر، بينما قالت بجنون:
لو موقفتش العربية هرمي نفسي منها أنا بقولك أهو!
ضحك بشدة ولا مبالاة غافلا عن أنها جنت بالفعل وفتحت باب السيارة وقد ألقت نفسها أمام أنظاره المذهولة!

رواية نيران الحب والقسوة الجزء الأول للكاتبة فاطمة حمدي الفصل السابع
فرمل مازن السيارة بفزعٍ شديد واتسعت عيناه بدهشةٍ أشد! لقد قفزت نورهان بالفعل من السيارة!
خرج من سيارته بكُل ما يمتلك من سرعة ليجدها تتوجع على أسفلت الشارع، انحنى على ركبتيه آخذًا إياها بين ذراعيه صارخًا في وجهها:
أنتِ اتجننتِ بتعملي كدا إزاي؟!
تجمهر الناس وأصبح هو زوجته في وضع لا يحسد عليه، ..
أسرع يحملها وادخلها إلى السيارة مجددًا صائحًا في هذا الحشد من الناس من فرط عصبيته الشديدة، بينما استقل مازن السيارة وانطلق بها إلى أقرب مستشفى وهو يعنفها بقسوة عارمة، بينما هي تتوجع وهي تمسك ذراعها اليمنى باليسرى وتردد:
دراااااعي درااااعي.
مازن ثائرًا:
بيوجعك صح؟ أكيد اتكسر في وقعة زي دي وتستاهلي عشان مافيش حد عاقل يعمل كدا.
فصرخت بانهيار وهي تبكي بألم:
أخرس بقى أنت إيه معندكش إحساس أنت مش بني آدم.
اصبري عليا يا نورهان دا أنا هكسرلك عضمك كله على اللي عملتيه دلوقتي دا أنا هعرفك إزاي تعملي كدا.
يا أخي أنا بكرهك ومش طيقاك طلقني لو عندك دم انسان بارد.
نظر لها بحدة شديدة:
لسانك كمان عايز قطعه وعشان سكتلك سوقتي فيها.
قالت وهي تتألم من بين دموعها:
هنتظر إيه من واحد خاين زيك!
التزم مازن الصمت القاتل وهو يضغط على أسنانه وأزاد سُرعة القيادة بعد جملتها التي أصابته في مقتل!
جلس يزيد في حديقة القصر صباحًا شاردًا باختناق شديد، بينما حاجباه الكثيفان معقودان بقسوة كما أظلمت جميع ملامحه منذ البارحة وهو على هذه الحالة لم ينم طوال الليل وقضى ليلته في أرقٍ تام.
شعر بيدين تضغطان على كتفه من الخلف فعلم أنه إياد ابتسم دون أن يلتفت وفتح له ذراعه مع قوله:
تعالى.
جلس إياد جوار أبيه متنهدًا قائلا في تساؤل:
حضرتك مش رايح الشغل النهاردة يا بابا؟
يزيد بجديته المعتادة:
تقريبًا كدا.
بقالك كتير مش بتاخد أجازة يا بابا
ابتسم يزيد قائلا:
فعلا وعشان كدا أخدت النهاردة.
إياد في حذر:
بابا حضرتك متضايق كدا عشان ضربت جنات صح؟
يزيد بعد لحظات طويلة من الصمت مجيبًا:
صح، عشان أنا متعودتش أمد إيدي عليكم بس هي اللي اضطرتني أعمل كدا لأنها كلمتني من غير احترام وأنا مربتكوش على كدا يا إياد.
صمت إياد قليلاً قبيل أن يتكلم قائلا:.
أنا حابب أعيش مع حضرتك يا بابا بصراحة أنا بحب عمتو زهراء وبحب البيت دا عشان خاطر هي موجودة فيه، لما بنروح عند ماما مش بتتكلم معايا خالص بتتكلم مع جنات بس وأنا ولا كأني موجود.
لف يزيد ذراعه حول كتفيه وشاكسه قائلا:
ممم يعني انت بتحب البيت دا عشان خاطر زهراء بس؟ اومال بابا ولا حاجة يعني؟
ضحك إياد ببراءة قائلا:
لأ طبعا يا بابا وبحبك أنت كمان بس ساعات بتقعد تزعقلي كدا كتير لكن عمتو لأ..
بزعقلك لما بلاقيك أهملت في مذاكرتك أو أهملت في أي حاجة حلوة علمتهالك لأني عاوز أشوفك أنت وأختك أحسن ناس في الدنيا.
صباح الخيراااات.
قالتها زهراء ببهجة معتادة منها وهي تتقدم منهما وتجلس بينهما بمزاح قائلة:
وسعولي كدا.
ضحك يزيد وصمت بينما قال إياد بمرح:
صباح النور يا عمتو أنتِ خدتي المكان كله!
زهراء بغضب طفولي:
قصدك إني تخينة؟ لأ لأ عيب كدا يا إياد.
قهقه يزيد آنذاك ضاحكًا مع قوله:.
هتزعل عمتك منك كدا يا إياد.
أنا عود فرنساوي أوي يا حبيبي ولا أنتوا ليكوا رأي تاني؟
قالا الاثنان معا:
لأ طبعا ملناش!
فضحكت زهراء قائلة:
طب يا إياد يا روح عمتو اطلع بقى ذاكرلك شويتين كدا عشان عاوزة باباك الزعلان دا في موضوع مهم.
أومأ إياد برأسه وذهب ضاحكًا، فنظرت زهراء إلى أخيها وقالت بعتاب رفيق:
إيه اللي عملته مع جنات دا يا يزيد؟
يزيد آخذًا نفس عميق مع قوله:
مكانش فيه حل تاني كان لازم تفوق.
وفكرك هي كدا فاقت؟ أنا نبهتك قبل كدا وقولتلك لازم تصاحبها لأنها في سن خطر.
انفعل قليلا:
أصاحب إيه؟ طول ما أمها موجودة في الحياة أصلا مش هتتعدل أبدًا.
أنا عارفة كل دا، بس أنت تتعامل بذكاء وتحببها فيك.
مش عارف ومش هعرف الغلط عمري ما هسكت عليه معنى كلامك أني أسكت ومش هسكت.
زهراء بتفهم:
لأ يا يزيد والله مش قصدي تسكت على الغلط قصدي بالتفاهم.
جربت منفعش سبيني أتعامل معاها بالطريقة اللي أنا شايفها صح.

ما أنت شايفها صح بس هي غلط!
زفر يزيد بحدة، فتابعت برفق:
مش قصدي ازعلك بكلامي بس بجد لازم انبهك أنا آسفة، خلاص مش هتكلم دلوقتي في الموضوع وأنا هتكلم مع جنات وأهديها خالص متقلقش أنت.
قال يزيد بجدية شديدة:
وعرفيها إني عمري ما هسيبها لأمها ومش هسمحلها تعمل حاجة غلط.
حاضر يا يزيد هعمل كدا، بص لي كدا بقى عشان عاوزاك في موضوع تاني.
نظر لها بضجرٍ مع قوله:
خير.
العروسة!
ضغط على نواجذه وأدار رأسه إلى الجهة الأخرى، فقالت ضاحكة:
ماما قالتلي أمهدلك الموضوع وبصراحة أنا حابة الموضوع أوي.
عاد ينظر لها باستغراب مع قوله:
ليه حابة الموضوع؟
عشان العروسة إنسانة محترمة وكويسة بنت خالتنا إكرام قبل ما تقول أي حاجة وعارفة إنك مش بتحبها بس بنتها غيرها خالص بجد.
يزيد محاولا ضبط أعصابه:
هو فيه واحدة كويسة أصلا؟
زهراء بعتاب:
يعني أنا وحشة ومش كويسة بقى على كدا؟
حدق يزيد بالفراغ قائلا بتنهيدة طويلة:
أنتِ حاجة والباقيين حاجة!
زهراء مسترسلة:
مافيش الكلام دا وزي ما فيه الحلو فيه الوحش كمان، صدقني فيه بنات حلوة كتير افتح قلبك وجرب..
واشمعنى دي اللي ماما قالت عليها؟
عشان كويسة وبنت محترمة جدا أنا عارفاها كويس هما مش بيجوا كتير عندنا عشان هي بتتكسف تيجي مامتها بتحسسها إننا حاجة وهما حاجة وهي عندها كرامة وكدا بس بجد أنا أضمنها برقبتي
يزيد ساخرًا:.
مش للدرجة دي يا ست زهراء، عموما يا ستي هجرب.
تمام، حلو اوي هما جايين النهاردة زيارة عشان تشوفوا بعض يعني وتتكلموا وكدا..
ضحك يزيد مستطردًا:
والله المعروف إن العريس بيروح للعروسة مش العكس ودا أكبر دليل إن خالتك دي واحدة بتاعة فلوس وجايبة بنتها لحد هنا عشان الفلوس حاجة غريبة.
زهراء بهدوء:.

دا اقتراح ماما وهما وافقوا، وقلتلك رنا غيرهم أنا عذراك عشان أنت مش بتشوفها كتير بس أنا بشوفها وبتكلم معاها وعارفة بقولك إيه.
طيب!
بعد ثلاث ساعات متواصلة من تحاليل وأشعة وتجبيس ذراع نورهان، خرجت أخيرًا من المستشفى بصُحبة مازن الذي قال بحدة:
أبقي كلمي مامتك لأنها مبطلتش اتصال!
ردت عليه بحدة مماثلة:
مش هكلمها لأني هاخد تاكسي دلوقتي وأروحلها!
مازن بنبرة محتدمة:.
كفاية كدا واركبي العربية لأني مش هسيبك وفري على نفسك الفضايح اللي ممكن تحصل دلوقتي في الشارع.
تأففت بضيق واضح:
يا أخي نفسي تعتقني لوجه الله أنا مش عاوزاك هي عافية!
اقترب منها قائلا بهدوء صارم:
عافية..
اووووووف!
اركبي يا هانم
نظرت له باشمئزاز وركبت السيارة مضطرة لذلك، فتنهد بارتياح وصعد جوارها قائلا وقاصدًا إغاظتها:
سلامتك...
فضغطت على أسنانها قائلة بعصبية:
بجح!
ارتدت رنا ملابسها الفضفاضة البسيطة بغير نفس ودموعها لم تجف كلما نظرت إلى المرآة تشعر كمن تُسلب منها روحها..
أيعقل أنها هي من تذهب إلى الرجل وليس هو! إن كان هو متعالي للغاية ف ماذا عن والديها؟
كانت تظن أنها غالية عندهما لكن لم يظهر منهما إلا الخذلان والألم!
دخلت والدتها إلى الغرفة وهي تتفحصها من أسفلها إلى أعلاها قائلة بنزق؛.
إيه اللي أنتِ عاملاه دا وإيه الهدوم الواسعة دي؟ وبطلي ياختي عياط بقى وحطي شوية مكياچ عشان لما يشوفك تعجبيه!
أردفت رنا من بين دموعها:
هو دا اللي عندي ولو مش عاجبكم مش راحة وسبيني في حالي بقى حراااام عليكي.
طب أخرسي خالص وافردي وشك ويلا قدامي كدا عشان منتأخرش!
وسارت معها بلا حيلة...
كذلك ارتدى يزيد ملابسه بشرود أمام المرآة وهو لا يعلم لمَ هو منصاع لهذه الدرجة؟
لمَ؟
لمَ لم يرفض ويفعل ما يحلو له كعادته؟ إنه يفعل لأول مرة شيئاً لا يرغبه..
ربما لأجل سيرين؟!
لأجل أن يمحها من ذاكرته نهائيًا؟
سيرين تلك اللعنة التي أصابته ولم يتخلص منها بعد هو يقاوم بكل قوته لأجل أن ينفي حبها وسينفيه هذا وعده لنفسه...
يصدح رنين هاتفه فجأة معلنًا عن إتصال، ورفع أحد حاجباه متهكمًا عندما وجد أن المّتصل هي سيرين!..

يتبع 

تعليقات